الأربعاء، 10 أغسطس 2016

روائح و ذكريات


روائح و ذكريات



يخيل إليّ بان الجذر اللغوي لمفهوم كلمة الرائحة قد اتت به العرب من كلمة الروح لأن الرائحة عند تنشقها تهيج في أرواحنا و في دواخلنا احاسيس مختلفة و مشاعر متباينة و كأنها تتعلق بالروح و بالذاكرة بعضها يبهج و بعضها يؤلم.
من منا لم تعلق بأنفه و ذاكرته رائحة الحقيبة المدرسية ؟
بالتأكيد انكم الآن قد عدتم بذاكراتكم عشرات السنين الى الوراء و بدأتم الرحلة الجميلة، كل حسب رؤيته.
لقد كانت تلك الرائحة اللطيفة كوكتيلا رائعا من الروائح المتنوعة التي علقت في أجمل زوايا الذاكرة، رائحة الكتب و الدفاتر الجديدة التي توزع علينا بداية العام الدراسي و هي جديدة زاهية فندشنها بأيدينا و أما الدفاتر المدرسية الاضافية و الأقلام التي يتسوقها لنا الأهل من سوق السراي فقد صارت ظاهرة مألوفة لكل العراقيين بداية كل عام دراسي لنعمر بها حقائب الاطفال وهم فرحين ببداية العام الدراسي الجديد، رائحة أقلام الرصاص، الأقلام التي أنا شخصيا أعشقها ولا تفارقني حتى اليوم، رائحة الممحاة البيضاء و رائحة المحّايات الملونة الشبيهة بالعلكة، رائحة الجلد الصناعي الذي صنعت منه الحقيبة المدرسية، و يضاف لهذا الكوكتيل اللذيذ من الروائح رائحة التفاحة و الموزة و الساندويجة التي تدسها لنا الأم الطيبة حتى اذا ما اخرجناها بعد ان يقرص الجوع أمعائنا الصغيرة لنأكلها في وقت الفرصة بين الدروس فسنجد فيها ان الرائحة الغالبة هي رائحة الحنان التي اودعتها الأم في حقيبتنا لتصبيرنا في رحلتنا اليومية الصغيرة.
ولرائحة المدرسة و الصف و الحانوت الذي يبيع الببسي و الفلافل و السميط و الجبس و النستلة حصة لا يمكن اغفالها في هذا العبق المدرسي. روائح كثيرة مختلفة كلها تذكرنا بأجواء و أيام وذكريات ومواقف مفرحة و حلوة و كريهة ومؤلمة كل رائحة في هذه الفترة من العمر التي تبدأ بها الشخصية بالتبلور والبناء تكون لها ميزتها واهميتها و روابطها الوشيجة، رائحة الكتاب رائحة الكرة رائحة البدلة الجديدة رائحة الحذاء الجديد رائحة اللعبة المعدنية الجديدة كم كنت احبها رائحة المكتبة العامة رائحة غرفة مدير المدرسة المليئة بالرهبة والاحترام و التبغ والطباشير، رائحة غرفة مختبر العلوم التي ندرس فيها بعض التجارب الفيزيائية و الكيميائية الصغيرة و التي كانت في نظرنا لا تقل خطورة عن وكالة ناسا، أما رائحة غرفة المرسم فقد كانت هذه الغرفة تمثل لي مدينة الأحلام السحرية و ستوديوهات ديزني و ربما متحف اللوفر، فيه كانت تعلق لوحات التلاميذ الموهوبين الذين استحقت لوحاتهم ان تحتل لها مكانا على جدرانه و دائما كنت أفخر بأن لي لوحة بقيت راسخة هناك حتى بعد ان تخرجت من مدرستي الابتدائية و اجتزتها بمراحل و كنت احب ان تداعب انفي رائحة الألوان الزيتية المنتشرة في تلك الغرفة و رائحة أصابع الباستيل و رائحة الكيروسين الذي تغطس فيه فرش الرسم الزيتي فلم يكونوا يستخدمون التربنتين كمحلول اذابة للالوان الزيتية لأرتفاع سعره و رخص سعر الكيروسين، و كذلك رائحة ورق الرسم و دفاتره و ورق الآبرو الملون الجميل و كم كنت اتمنى ان تكون حصة الرسم حصة يومية في المنهج الدراسي و ان تكون اطول الحصص فمازالت رائحة مواد الرسم و اللوحات و القرطاسية تسحرني و تشدني اليها بقوة.
في نهاية اليوم المدرسي نخرج بعد الظهر لنخترق جموع التلاميذ الغفيرة من أقراننا الذين ينتظرون انصرافنا لكي يحتلوا محلنا فيبدأون دوامهم الظهري لأن بناية المدرسة تخدم مدرستين ككل المدارس العراقية في المناطق المكتضة بالسكان. كانت تداهمنا و نحن نشق طريقنا الى البيت بين تلك الجموع روائح أخرى مثيرة و مسيلة للعاب بالنسبة لشياطين صغار مثلنا لم تسد الساندويجة والتفاحة جوعهم بما يكفي خصوصا بعد ان حرقوها في بطونهم بسهولة بالركض و اللعب و التنطط هنا وهناك بكل ما للطفولة من حب للعب واللهو.
روائح بعضها لذيذ و بعضها مقرف تختلط مع بعض حسب المكان و المنطقة و المحلة من محلات بغداد التي تقع فيها المدرسة، رائحة اللبلبي، الفلافل، العنبة، البالوته، الدوندرمة، الحلاوة الدهينية، السمسمية، شربت النومي بصرة و الزبيب و البرتقال و انواع الشرابت الملونة الجذابة فهل نستطيع ان نصمد امام هذه الروائح اللذيذة و نحن جياع؟ لا و ألف لا فهذه مسألة مبدأ بالنسبة لنا فكيف نمر بها مرور الكرام، و بالرغم من ارشادات المعلمين كل يوم و توصيات الأهل وتوسلاتهم و تخويفنا بأخطر الأمراض اولها الكوليرا و آخرها القولنج اذا ما أكلنا او شربنا شيئا من الباعة المتجولين، تجدنا نتزاحم على عرباتهم كما يتزاحم النمل على قطعة حلوى غنية بالسكر و الشكولاته نمد أذرعنا الناعمة بآخر ما تبقى من مصروفنا اليومي لكي نقوم بتصفير جيوبنا قبل عودتنا لبيوتنا، و بالطبع كان اهم المواقع حول عربة البائع المتجول الذي نتحلق حوله بشغف هو فوق احدى العجلات لكي نرتفع بأعناقنا و يتسنى لنا مشاهد ما يوجد من آيكونات فوق دسك توب عربة بائع اللبلبي او الدوندرمة.
إلا ان اجمل و ألذ ما كان يداعب نهايات اعصابنا الشمية بلا منازع هو طبيخ ست الحبايب عندما ندخل الى البيت و نحذف على عجل بحقائبنا المدرسية و ملابسنا هنا و هناك و نتراكض لارتداء ملابس البيت لنلتهم ما تقدمه لنا الوالدة الحنون وسط موجه من الاحتجاجات التي نحرق بها الأجواء ضد الطعام اذا كان طبق ذلك اليوم من الاصناف التي لا نحبها. ولكننا بالاخير نأكلها حتى آخر حبة رز.
كبرنا و تنقلنا في مراحل الدراسة و العمر في الحياة و صارت الروائح التي كانت تؤنسنا في زمن الطفولة تشكل لنا مجرد ذكريات جميلة و حلوة تذكرنا بتلك الفترة الطفولية التي رحلت بلا رجعة و حلت محلها روائح اخرى جديدة و مختلفة بعضها يثير في داخلنا الحنين لأن انفنا قد تحسس في المكان عطرا باريسا ذكرنا بالحب الأول او نسمة محملة بشذى الزهور اعاد الى اذهاننا الجو الصيفي الذي شهد أول لقاء و أول دقة قلب، و بعضها يهيج في داخلنا الوجوم لأنه يذكرنا بفراق الحبيبة أو الحبيب او بمشكلة من مشاكل المحبين أو بسوء فهم انتهى بزواجها من ابن العم او من عريس لقطة. و بعضها دائما جميلا منعشا كرائحة المطر في مستهله عندما يتصاعد عبيق الارض الجافة و عطر النباتات و الأعشاب العطشى و رائحة الحقول التي أرهقها القيض بعد صيف لاهب فتعطينا هذه الرائحة أملا جديدا بالحياة و تعلقا بأمنا الأرض و تلفت انظارنا الى ما يجنيه الانسان بيديه بحق الطبيعة الجميلة التي وهبته كل شئ و هو يجحدها.
روائح أخرى تثير في انفسنا الخشوع و الطمأنينة و السكينة، روائح البخور و زيت وماء الورد عندما نتنشقها فتذكرنا بمراقد الأئمة والشيوخ الزاهدين و الأولياء الصالحين و بأجواء المساجد و أجواء الكنائس وآحادها عندما يوقد البخور و توقد شموع النذور للسيدة العذراء على ايادي البنات المسلمات والمسيحيات.
لا ننسى رائحة الشاي العراقي في الصباح عندما يختلط برائحة القيمر والصمون الحار، لن تشرب الشاي إلا وانت تستنشق رائحته قبل ان تتذوقه فأن لم تجدها فأنه مجرد قنداغ لا يمت بصلة لهذا الشراب المؤنس.
روائح عراقية جميلة تهيج في دواخلنا ذكريات أجمل لترتبط بأماكن و تواريخ و أصوات مألوفة صارت مفردات جميلة في حياة كل عراقي، فلا تتنشق رائحة الشاي الذي تخدر جيدا إلا و تؤنسك مع ارتشافه هلاهل استكاناته و صحونه و ملاعقه و لا تتنشق رائحة السمك المسكوف إلا و تستعذب معه رائحة شواطئ دجلة و اغاني المقام العراقي و أنوار عبد الوهاب و زهور حسين و حفيف الاشجار في ليالي شارع أبي نؤاس و اضوائه الملونة و انعكاساتها على مياه دجلة الهادئة و لن تعجبك رائحة النركيلة و انفاسها إلا اذا كنت قد تناولت قبلها عشاءا دسما من الباجه و الطرشي او الكباب و التكة و ظلوع الضأن و يحيط بك ضجيج المقهى و ضحكات الاصدقاء و مزاحهم و دردشاتهم العالية.
تتنقل بنا الروائح و العطور و النسمات من الشذى الجميل و الطفولي و الحالم الى روائح ايام الشباب الذي ضاع بين رائحة البارود و دخان عوادم شاحنات الأيفا و الدبابات و دخان المدافع الى عبق تراب الأرض في كل ضربة معول و مجرفة لنستخرج بهما التراب من بطن حفرة في الارض حفرناها لنلتجئ بها من القصف المدفعي المعادي او لتنغلق مناخرنا بتراب ثقيل لمعركة حامية نخوضها فاذا نجونا منها ستنتهي حتما بتنشق رائحة فحم المناقل المتصاعدة مع رائحة القهوة العربية في مجلس الفاتحة على روح الشهيد فنتذكره و نتذكر اوسم شبابنا الذين ضحوا بأنفسهم لكي يتنشق اطفالنا القادمون رائحة الحقائب و الكتب و أقلام الرصاص ولكي تضع الأمهات لهم تصبيرة الطعام الهني.
فنبكي الذين رحلوا من أجلهم وأجلنا بحرقة.
و هكذا و بعد تلك الرحلة العطرة الطويلة التي تعودت فيها حاسة الشم العراقية على العبق و العطور و الدخان لم تبق اليوم إلا رائحة واحدة تثير في القلب اجمل ذكرى و تبقى هي الرائحة الأحلى.. التي تترقبها كل أحاسيسنا و مشاعرنا و حواسنا الخمسة بلهفة و اشتياق علّنا سنتنفسها من جديد ..
انها رائحة السلام.

اغلفة لي في مجلة المسيرة من اوائل الثمانينات



من المواضيع التي كتبتها لمجلة المسيرة ورسمت لها الاغلفة بنفسي
رغم ان عملي السابق في صحافة الاطفال خلال السبعينات ومطلع الثمانينات كان في الكتابة في مجال العلوم وخصوصا علوم الفلك والفضاء و قصة الخيال العلمي
الا انني احيانا ازاغل واتجاوز على اختصاص القسم الفني في جريدتنا العزيزة ايام السبعينات والثمانينات " جريدة المسيرة" للطلائع والتي كانت تضم نخبة من الفنانين الرائعين والكتاب وانا منهم  واليوم هم فنانون كبار كالمصم الدكتور خالد النعيمي والاستاذ ميسر القاضلي والرسامين الرائعين كالاخ الفنان رضا حسن والاخ الفنان فاضل طعمة ومعهم ايضا اخي وصديقي وابن منطقتي الرائع الفنان محي خليفة ..وكنت احيانا اخرح عن اختصاصي في الكتابة واحاول ان اساهم ببعض الرسوم للجريدة لكوني هاوي رسم ولست محترفا اي فنانا فطريا ولست كما كان اصدقائي الفنانون المبدعون ولكنني ارسم حبا بفن الرسم والالوان لأنه كان ثاني هواية لي بعد القراءة ايام الابتدائية ومن ضمن محاولاتي المحدودة في الرسم للاطفال رسمت بعض الاغلفة لمجلة المسيرة وكنت قد نسيتها وقد ارسل لي مشكورا صديقي الفنان الرائع محي خلفة هذين الغلافين الذين رسمتهما عام 1980 و1981 بعد ان ذكّرني بهما و وعدني بارسالهما وهاهو اليوم يبر بوعده مشكورا وهو يحتفظ بهما في ارشيفه الفني وقد اسعدني اليوم ايما سعادة بارسالهما لي و تذكيري بتلك الايام الجميلة.
ثم اعقبهم بغلاف آخر بعد بضعة ايام
شكرا اخي العزيز محي خليفة.







الثلاثاء، 9 أغسطس 2016

قصة حب ريفية..چا وين أهلنا


قصة حب ريفية..چا وين أهلنا


رؤية وكتابة : صالح حبيب
"أغنية چا وين أهلنا اغنية عراقية جميلة من التراث العراقي القديم، وهي من الاغاني الريفية الحزينة، وهي حكاية شعبية تحكي فراق حبيبين في بيئة الريف العراقي المتشددة المليئة بالظلم والنميمة لعلاقات الحب والمحبين مهما كانت بريئة وطاهرة.
حاولت ان اجد اثرا للقصة ولاصولها في الانترنيت فوجدت معلومة مختصرة تشير الى:
أن مريم المكناة وحيده خليل قد فقدت زوجها الذي كانت تعشقه بشغف اذ تربوا سوية واحبوا بعضهم وتعلق احدهما بالآخر منذ طفولتهم، اذ رحل عنها ولم تعرف لع اثرا بعد ذلك.
فغنت هذه الاغنية التراثية التي تصف مشاعرها ولحنها لها عميد الاغنية العراقية العملاق عباس جميل و غناها ايضا و كذلك غنتها المطربة الرائعة أمل خضير.
الاحداث جميعها جرت في البصرة في ثلاثينيات القرن الماضي، فلقد سافر حبيبها (زوجها) ولم يعد لاسباب غامضة. بَحَثَتْ عنه في كل مكان ولكن لم تجد له أي أثر، ولا هو عاد اليها، ولهذا فقد غنت قصيدة ريفية تحكي حكاية فتاة في الريف تتشابه ظروف حكايتها مع حكاية وحيدة ومصابها في فقدان الحبيب.
وكانت تلك الفتاة الريفية الشابة قد فقدت حبيبها أيضا وبظروف مشابهة، فغنت وحيدة كلماتها لتعبر من خلالها عن حزنها ونكبتها.
لم تكن القصيدة مجرد شعر او نثر او أغنية وانما لوعة نافثة لنيران متقدة في قلب حزين وشوق جارف وفقدان لزوجٍ هو حبيبٌ ورفيق عمر، فانسابت الكلمات على لسانها حقيقة نقية وخالصة من القلب.
آثرت ان اروي لكم قصة الاغنية من خلال احساسي بالكلمات والاغنية ورؤيتي الخاصة لجو الاحداث الذي أدى الى كتابة هذه الابيات الرقيقة"
الاغنية تروي احداث حبيبين في الريف العراقي فرقهم احد الوشاة الذي اكتشف امرهم لأنه كان يطمع بالفتاة لنفسه، وحسب عادات العرب المجحفة فان الفتاة التي تُكتشف لها قصة حب مع أحد الشبان، فذلك يعني فضيحةٌ نكراء لها ولأهلها، وستتحول تلك الفتاة من سيئة حظ الى سيئة سمعة، وسيكون أهلها محط احتقار وأهانة من قبل العشيرة والديرة والسَلَف وتنتشر قصتهم بين العشائر المجاورة..ومن الأسلم لأهلها -ان لم يقتلوها- الرحيل بعيدا عن الديرة لأن العشق عند تلك العشائر فعل مشين ومحرم على الفتاة، بل هو عار يلتصق بهم طيلة العمر..ومن الأفضل لهم ان يرحلوا عن الديار ليلا وبهدوء وعجالة " 

وهكذ راحت الحبيبة تنوح مخاطبة أهلها أمها وابيها
"ماني صحت يمه احا چا وين أهلنا؟ چا وين؟ چا وين أهلنا"
الى اين يا أهلنا؟ أين يا عشيرتنا؟ اين نحن راحلون؟

"ولف الجهل بالدار وأبعد ظعنا"
حب الطفولة (ولف الجهل) مازال في ديارهم ونحن يبعد بنا الركب ونرحل عنهم
"حملتوا يا أهلي بليل والولف غافي"
حملتوا اغراضكم ليلا هاربين وحملتوني معكم لترحلوا سريعا عن الديرة والحبيب لا علم له برحيلنا لأن الدنيا ليل وهو نائمٌ تلك الليلة لا يعلم برحيلنا وسيفتقدني.
"اسهر وخلي ينام نوم العوافي"
دعوه اذن ينام ليلته بهناء (نوم العوافي) مرتاحا كي لا يعاني آلام فراقي 
ولأسهر أنا عنه واتحمل آلام فراقنا وحدي

"ماني صحت يمه أحا چا وين أهلنا؟ چا وين؟ .. 
چا وينأهلنا؟"
وفي النهاية تخاطب بكبرياء من وشى بقصة حبهم و تسبب بفراقهم
"يا الواشي عاد ارتاح واضحك بالفراق"
الآن اشمت واضحك ايها الواشي لفراقنا
"حسبالك اترجاك ولحبك اشتاق"
هل تظن انني سآتي صاغرة اليك
اترجاك واتلهف لحبك؟


للاستماع لأغنية چاوين أهلنا لوحيدة خليل اضغط الرابط

ماذا اقرأ..كيف أقرأ ؟



ماذا اقرأ..كيف أقرأ ؟
بقلم: صالح حبيب

بالرغم من ان الفيسبوك و الانترنيت واخبارهم ومعلوماتهم (الرؤوس اقلامية) يدفعان جمهور قراء الكتب الى المعلومة السريعة والسطحية (والسخيفة احيانا).. الا انني مازلت اعشق الكتاب ورقيا كان ام الكترونيا.
ولكنني عادة اقرأ اكثر من كتاب في وقت واحد ..و بالطبع لا اقوم بذلك مثل سوبرمان حين يقرأ عشرة كتب في آن واحد خلال دقائق ولكنني اوزع وقت القراءة بينهما فمرة اقرأ من هذا ومرة اقرأ من ذاك حتى اتممهما وحسب الوقت والمزاج..وخلال الوقت الذي اكون بعيدا عن القراءة اكون غارقا في مخيلتي في اكثر من عالم واحد ..العالم الحقيقي وعوالم اخرى افتراضية بالاحداث والاشخاص والاماكن ..اليس هذا غريبا ؟

حاليا اقرأ روايتين من الروايات الحديثة والمثيرة. الاولى "آخر اسرار الهيكل The Last Secret of Temple " للكاتب بول سيسمان وهي رواية مترجمة بـ 318 صفحة ترجمت لعدة لغات في العالم ..وتدور احداثها ما بين الماضي والحاضر و ما بين مصر في محافظة لقصر وما بين تل أبيب والقدس ورام الله ومعظم الاراضي المحتلة ..والقصة ممتعة وفيها الكثير من الغموض والجرائم المركبة والتحقيقات الجنائية.اضافة الى انها تعرض صورة شبه تفصيلية للحياة اليومية في الارض المحتلة وحياة الفلسطيين والاسرائيليين. وكيف تشتعل الاحداث ضمن سياق القصة وغموض جرائمها.
الرواية الثانية هي "الجحيم Inferno" - دان براون وهي رواية بـ 424 صفحة تدور احداثها في العصر الحاضر وبالتحديد في اكثر بقاع العالم جمالا وسحرا وفن وهي فلورنسا - ايطاليا  التي هي عبارة عن تحفة فنية خالدة في كل زاوية من زواياها.


تتداخل في احداث رواية الجحيم الحركة والمطاردة والغموض و الفن وتأريخه فتتعرف فيها على فنانين و لوحات وقصور واماكن واحداث فنية حقيقية والغاز تاريخية حقيقية ايضا..
القصة فيها من الشد والاثارة بحيث ان القاريء لا يتركها الا بصعوبة بالغة لكي ينهض لانجاز اعماله الاخرى.
حين قراءتي لأي رواية مترجمة فأنني افتح النسختان العربية والانكليزية معا فأقرأ بالعربية واقارن دقة ترجمتها بالنسخة الاصلية الانكليزية..لانه ثبت لي بأن الترجمة العربية ليست دقيقة او امينة ولاسباب كثيرة..
الجميل في امر عصرنا الحاضر- عصر التكنلوجيا والانترنيت- انه وفر لنا مما وفر: الكوكل ماب الحي او والمجسم ..فحين اقرأ عن ابطال القصة وكيف تتم مطاردتهم ومن اين يعبرون و اين مشوا وبأي شارع والى اين يريدون الاتجاه فأنني افتح الكوكل ماب او الكوكل ايرث واذهب الى نفس الشارع او الحديقة او الجسر لأرى من اين ذهيوا واين يتمشون ومن اين هربوا وبدلا من ان اعتمد على خيالي في تصور الاماكن والمباني والقصور التي يصفها الكاتب فأنني انزل الى الشارع و اشاهده على حقيقته و اتمشى فيه او احلق فوق الاماكن لاراها مجسمة وادور حولها لكي لا اعتمد بتخيلها على وصف الكاتب فقط وانما اراها حقيقة..
مع ذلك ..بقيت لدي مشكلة واحدة
فانا عادة اتخيل شكل الابطال و احاول ان اختار احد الممثلين لكي اعتبره البطل واحدى الممثلات لبطلة القصة..
وانا اقرأ برواية الجحيم ..قلت مع نفسي ان معظم قصص دان براون تحولت الى افلام سينمائبة لقوة حبكتها وغرابتها فمثلا روايته شيفرة دافنشي حصد الفلم الذي تحولت اليه البلايين من الدولارات والجوائز الفنية فهل من المعقول ان الجحيم لم تحول الى فلم؟
بالبحث بالكوكل تبين لي ان هذه الرواية قد تحولت الى فلم وباخراج قوي وجذاب وقد شاهدت المقدمة (التريلر) في النت وبدا لي انه فلم رائع بحق ولكن الفلم لم يطلق بعد وموعد اطلاقه هو اكتوبر القادم ..
عندها ادركت انني امام مشكلتين صغيرتين احداهما لها علاقة بالاخرى.
الاولى :هل اترك قراءة الرواية المليئة بالاثارة والتي وصلت فيها الى الآن الفصل 25 بما يعادل 130 صفحة؟ لأنني ان لم اتوقف فلن استمتع بمشاهدة الفلم؟ لانني اعرف احداثه مسبقا..أم استمر بالقراءة ثم اشاهد الفلم فيما بعد ولكن دون تحمس ؟؟؟
الثانية: حين كنت اقرأ.. وحتى ماا قبل اكتشافي بأن الرواية قد انتجت فيلما..كنت قد وضعت في ذهني وانا اتخيل الاحداث صورة للبطل على انه الممثل نيكولاس كيج ..لكنني وجدت في التريلر الذي شاهدته ان البطل هو توم هانكس..
المشكلة اني الآن وانا اقرأ رواية الجحيم كلما احاول ان اتخيل البطل بشكل و شخصية توم هانكس اراه بعد اسطروقد تحول الى نيكولاس كيج..
مشكلة..















رحلة في ذاكرة بغدادية -الحلقة -4



رحلة في ذاكرة بغدادية - سبعينات القرن العشرين 1970 - 1979

الحلقة - الرابعة

اسماء واسماء وأسماء من الذاكرة الثقافية


صالح حبيب 


في مجال الفنون كان الفن التشكيلي والفنانون التشكيليون العراقيون يشكلون ظاهرة فريدة في العراق والعالم فلم اجد من كان يضاهي العراقيين من العرب في هذا المضمار فقد كانت المعارض الفنية المنتشرة في بغداد محجوزة لعرض أعمال الفنانين لشهور قادمة مثل قاعة الرواق في شارع السعدون وقاعة وداد الأورفلي في المنصور. فرغم كثرة عدد صالات العرض كانت هناك تظاهرة فنية جميلة أخرى تُحيا سنويا مثل معرض الحزب السنوي وفيه يعرض الفنانون العراقيون أعمالهم سنويا ويحصدوا من خلالها الجوائز و الشهرة وكانت تقام في متحف الفن الحديث في ساحة الطيران - قاعة كولبنكيان وكانت التظاهرات الفنية الكبيرة تقام على قاعاته قبل افتتاح مركز صدام للفنون.

من اشهر الفنانيين التشكيليين في تلك الحقبة فائق حسن و ليلى العطار وكاظم حيدر وحافظ الدروبي ونوري الراوي وراكان دبدوب وشاكر حسن آل سعيد ونزيهة سليم وفيصل لعيبي وعطا الله صبري وصلاح ݘياد ووداد الاورفلي والنحاتين اسماعيل فتاح الترك و خالد الرحال ومحمد غني حكمت
ومن اشهر من رسم للاطفال في السبعينات فيصل لعيبي وصلاح جياد ومؤيد نعمة وضياء الحجار وطالب مكي ورضا حسن ومنصور البكري وعلي المندلاوي وعبد الرحيم ياسر وطلال سعيد وفاضل طعمة وحنان شفيق ومحي خليفة وقاسم ولي وعلي رضا

بتهوفن
ولابد من وقفة للتحدث عن الفرقة السيمفونية الوطنية التي كانت تعد واحدة من اشهر و ارقى فرق الموسيقى الكلاسيكية في الوطن العربي فقد كانت تحيي حفلات شهرية على قاعات بغداد الشهيرة مثل قاعة الشعب و قاعة الخلد المقابلة للقصر الجمهوري وفي نفس الشارع عندما كان باص مصلحة نقل الركاب العامة رقم 15 كرادة مريم يمر من هناك دون أن يمنعه أحد أو يحول خط سيره لدواعي أمنية خوفا على حياة الرئيس. وقد كنت احضر حفلات الفرقة في ذلك الوقت وقد حضرت في احدى تلك المرات حفلا قامت بإحيائه الفرقة وعزفت فيه سوناتات لموزارت و هايدن ثم ختمت ( وهو ما جعلني أتعنى لحضور تلك الحفلة بالذات وانتظرتها طويلا ) بالسيمفونية الخامسة لبيتهوفن و الشهيرة باسم "القدر".

صحافة الأطفال و الشباب
وكذلك من المؤسسات التي تعتبر منارات مضيئة في زمن العراق الذهبي القديم كانت مدرسة الموسيقى والباليه و مكتبة الطفل ودار ثقافة الأطفال التي كانت بوابة جميلة ملونة متنوعة للأطفال تمدهم بالعلوم و القصص و المغامرات و العوالم الطفولية الشفافة و الشخصيات الجميلة عبر مجلة مجلتي و المزمار وملحق علم وتكنولوجيا والكتب الملونة و المعارض الفنية و مهرجانات الطفولة وكانت صديقة لكل اطفال العراق و انا متأكد من أن قصصها و أبطالها مازال يتذكرها كل من يقرأ هذه السطور الآن، وكان يقودها نخبة من الكتّاب والشعراء والادباء والفنانين الرائعين الذين يضاهون اشهر فناني وكتّاب العالم، وكان نتاج هذه الدار غزيرا وفريدا من نوعه في الوطن العربي بطابعه العربي و العراقي الخاص والطفولي الحالم.

كتب للاطفال في دار ثقافة الاطفال في تلك الفترة كم هائل من ادباء وكتاب و مثقفي العراق بعضهم شعراء كبار على رأسهم الشاعر شفيق الكمالي والشاعر عبد الرزاق عبد الواحد والشاعر فاروق سلوم وقد قادوا الدار ليس ككتاب فقط بل كمدراء عامين قادوا نشاطاتها الى النجاح. ومن كتاب الاطفال الذين قدموا عطاءا ثرا لعالم الطفولة شفيق مهدي وجعفر صادق ومالك المطلبي وعبد الرزاق المطلبي ورياض السالم وعبد الاله رؤوف ويمكن القول عن تلك النخبة انهم رواد ومؤسسي دار ثقافة الاطفال اضافة للكتاب والمبدعين الذين ارتقوا بأدب الاطفال الى مكانة رائعة وهم صلاح محمد علي وميسلون هادي و فاروق يوسف وجواد الحطاب ومنى سعيد و عشرات غيرهم لا تحضرني اسماؤهم ولا يتسع المجال لذكرهم في هذه المساحة وكنت من أحد المشاركين في كتابة قصة و سيناريو الخيال العلمي والصفحات العلمية في جريدة المزمار وملحق العلم والتكنلوجيا وكنت اذيل كتاباتي بأسمي الكامل "صالح مهدي حبيب" منذ 1976
مجلة الشباب وجريدة المسيرة ومطبوعات دار صحافة الشباب كانت تساهم في البناء الفكري للفتى و الشاب اليافع في تلك المرحلة بإمداده بالعلوم و الآداب و المعلومات 
وكان يعمل في تلك الدار ايضا كتاب وفنانون كثيرون لا يتسع المجال لذكر اسمائهم هنا طبعا لاسباب قد تكون حساسة لكون الدار كانت من ضمن مؤسسات الحزب الحاكم الثقافية رغم انها دار ثقافية همها الاول ولكن ليس الاخير هو الفن والعلم والادب. 
ولكن كان جزء من تلك المنشورات موجه من قبل النظام لبناء الروح المعنوية للفتى والشاب في سبيل دفعه وتوجيهه لخدمة النهج الذي كان ينهجه النظام آنذك وهو بناء إنسان ذو مهارات وأفكار عسكرية وتكتيكية في اطار فكر الحزب الحاكم كالأفكار القومية والاشتراكية والوحدة العربية وغيرها من الأحلام التي كانت ومازالت احلاما مستحيلة وفي مرحلة لاحقة تقولبت لخدمة فكر الحاكم الاوحد للبلاد فقط. فبدلا من أن يحلم الطفل بالزهور والألوان والطبيعة والطموح الخلاق صار يتغذى على الروح العسكرية و الحربية ورائحة البارود وكيفية حمل البندقية والقتال والتفجير.
وكانت النتيجة الطبيعية هي الحال الذي وصلنا اليه الآن.

للذكرى
"حدثني صديق من العاملين في دار ثقافة الاطفال انه بعد سقوط بغداد مباشرة وبعد ان بدأ العاملون والموظفون المدنيون يعودون لأعمالهم و دوائرهم كان العاملون في تلك الدار قد بدأوا ايضا بالعودة الى عملهم لكي يعيدوا افتتاح دار ثقافة الاطفال بما يحتفظون به من المتيسر في الارشيف المتبقي لديهم بعد ان تعرضت بغداد للدمار والحرق والسرقة.
فبعد ان كان آخر موقع للدار هو جزء من الطابق الثالث من مبنى وزارة الاعلام العراقية التي دمرتها الغارات الامريكية على بغداد تم تخصيص مبنى قديم وهو مكتبة الطفل في المنصور مقابل متنزه الزوراء والمجاورة لمدرسة الموسيقى والباليه.
كان الموظفون قد بدأوا توا يتواجدون في الموقع الجديد اياما معينة من الاسبوع في باديء الامر في قاعة المكتبة، وفي يوم من تلك الايام دخل الى الدار شاب يرتدي زيا دينيا يصطنع الوقار و الحكمة يرافقه ثلة من المسلحين الذين يأتمرون بأمره..فأمر ان تخرج جميع الكتب التي في المكتب "كتب الاطفال" وان تكدس على ارض الحديقة الخارجية للبناية فأخرجت وسكب عليها خزان من البنزين فاشعلوا فيها النيران التي راحت تلتهمها أمام انظار كتابها ورساميها ومن الذين ظلوا ينظرون الى جهودهم عبر وهي تحترق دون ان يستطيعوا ان ينبسوا ببنت شفة خوفا على حياتهم غيرعبارة سريعة :  ليش مولاي؟ فأجاب المعمم الشاب الذي لم يتجاوز منتصف العشريناتوبكل برود وزهو وهو يعبث بمحابسه الفضية :- "هاي الكتب تحمل افكار العهد البائد!!!" 
وللحديث بقية..
نشر الاصل في الحوار المتمدن-العدد: 3337 - 2011 / 4 / 15 - 09:11 
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات

رحلة في ذاكرة بغدادية - الحلقة - 3

رحلة في ذاكرة بغدادية - سبعينات القرن العشرين 1970 - 1979


الحلقة -3

صالح حبيب






الثقافة و الآداب في عراق السبعينات

جيلنا نحن الخمسينيون و الذين عاصرنا اجمل فترة في شبابنا في السبعينات كبر ونما مع ابطال خياليين الهبوا خيال طفولتنا و وسعوا مداركنا. انهم ابطال دار المطبوعات المصورة والتي هي ترجمة وطباعة لبنانية جميلة متقنة لدار الـ "دي سي كومك" الامريكية وابطالها هم سوبرمان والرجل الوطواط "باتمان" وصديقه زكور "روبن" والفتاة الجبارة "سوبر گيرل" وفرقة الابطال الجبابرة "جستس ليغ ليجيونير" والبرق "فلاش" والرجل المطاط وابطال الغرب الاميريكي بونانزا وكذلك طرزان سيد الادغال والمجلة الرائعة بساط الريح وهي من اجمل المجلات التي كنا نعشقها ومجلة تان تان وللاكبر سنا كانت مجلة المغامر المنوعة وللاطفال الاصغر سنا كان هناك مجلة لولو وكانت هناك ايضا المطبوعات المصرية مثل مجلة سمير و ميكي ..لم يكن هناك ممنوعات في سوق الكتاب العراقي في الستينات زمن طفولتنا و حتى بداية السبعينات قبل ان يلتفت النظام الى خطورة المطبوعات عليه وعلى سيطرته على سدة الحكم و تأثيره العميق في تنمية الفكر الحر ورغم كل ذلك فلقد كانت المطبوعات تنزل في المكتبات واكشاك بيع الصحف و المجلات من كل الدول العربية والعالمية منوعة ما بين علمية و طبية وثقافية و فنية وأدبية اذكر منها

مجلة دنيا العلم ذات الطباعة الانيقة والحرف الانيق و الحديث مجلة طبيبك و مجلة طبيب العائلة و مجلة المعرفة المترجمة عن اشهر مجلة معرفية في العالم دار تراكسديم للنشر- استراليا و مجلة العربي الكويتية الرائعة الرصينة ومجلات فنية مثل مجلة الشبكة و الموعد اللبنانيات و مجلات سياسية مثل روز اليوسف اللبنانية وآخر ساعة المصرية
أما المجلات الاجنبية فكنت تجد مجلة ناشونال جيوكرافك العلمية الامريكية، شووت الرياضية البريطانية و مجلة تايم الامريكية و نيوز ويك والمجلة البريطانية پنك او "وردي" للفتيات
كل تلك المجلات كانت تنزل في المكتبات بمواعيدها المنتظمة.
ماذا عن المطبوع العراقي ؟

المثقفون في السبعينات كانوا يتحاورن بالمواضيع الثقافية والأدبية والعلمية التي تنشر في المجلات والصحف ويترقبون آخر الإصدارات من الكتب و المجلات الأدبية و الثقافية لدور النشر العراقية مثل مجلة آفاق أدبية، الأقلام ، الفكر الجديد ، الآداب الأجنبية ، الثقافة الأجنبية ، الطليعة الأدبية ، مجلة ألف باء و مجلة الشباب و مجلات الأطفال مجلتي و المزمار و المسيرة ، و مجلة العلم و الحياة و الدوريات العربية الأخرى و كان الشباب العراقي لا يتحاورون فقط بمواضيع تلك الصحف والمجلات بل و بسيرة كتّابها ومتابعة إصداراتهم فقد كانت حركة النشر و الطباعة و المطالعة وسوق الكتاب في ذلك الوقت نشطة بشكل كبير فظهرت المقولة التي اشتهرت على المستوى العربي في تلك السنوات الذهبية للفرد العراقي " مصر تكتب و بيروت تطبع و بغداد تقرأ " أما الصحف المحلية فلم يكن عددها كبيرا لأن الدولة لم تكن تسمح بمنح حقوق امتياز لكل من يطلب أصدار صحيفة يومية بتلك السهولة إلا ضمن شروط مشددة و رقابة حكومية فقد كانت هناك عدة صحف ناطقة بأسم الحزب الحاكم و الدولة أبرزها جريدة الثورة و كانت هي جريدة حزب البعث الحاكم وجريدة الجمهورية وهي الجريدة الرسمية للدولة وجريدة الحزب الشيوعي العراقي طريق الشعب التي أوقفت عن الصدور بعد حل الجبهة الوطنية التي عملها الحزب الحاكم مع الحزب الشيوعي العراقي لمقتضيات و ضرورات تكتيكية لفترة معينة ومجلتهم الثقافية الفكر الجديد و جريدة التآخي الكردية التي كانت تصدر تحت رقابة الدولة ومن الدولة نفسها وكانت تصدر باللغة العربية وفيها ملحق باللغة الكردية ( وكان يفترض العكس أي أن تصدر بالكردية ولها ملحق عربي ) ومن الصحف المستقلة التي لم تكن تنتمي لحزب معين أو جهة معينة كانت جريدة الراصد التي تعتبر من أكثر الصحف قراءة لدى الشباب العراقي بكافة مستوياته و شرائحه لأنها كانت مسلية و تنشر قضايا عالمية و مترجمة و طريفة و منوعة وكانت تعتبر متنفس لهم وسط الجو المشحون بالشعارات الحزبية و السلطوية.

لقد اهتم العراقيون في تلك المرحلة و مرحلة الستينات والخمسينات بأسماء عديدة لم تكن حديثة على الساحة الثقافية في الحقيقة بل بدأت أسماؤهم تلمع في تلك الفترة كتابا و شعراء لمعت أسماؤهم في سماء الثقافة والأدب العربي و العالمي مثل عبد الوهاب البياتي و مظفر النواب و حسين مردان و عبد الخالق الركابي و سعدي يوسف و عبد الرزاق عبد الواحد و غيرهم ناهيك عن الأعلام العظام الذين كانت أسماؤهم تعتبر لازمة يجب ذكرها كلما ذكر الشعر والأدب و الثقافة و العلوم في كل الأوقات منذ مطلع القرن الماضي حتى القرن الحادي و العشرين وعلى رأسهم شاعر العرب محمد مهدي الجواهري وعالم اللغة العربية العلامة مصطفى جواد و عالم النحو الأب إنستاس ماري الكرملي والشاعر و اللغوي الكبير محمد بهجت الأثري و احمد الصافي النجفي و عالم الاجتماع الفذ علي الوردي والعالم الديني المجتهد السيد محمد باقر الصدر وشيخ المؤرخين عبد الرزاق الحسني والمؤرخون طه باقر و حسين أمين و سالم الآلوسي وغيرهم كثير.

للذكرى:
" في عام 1976 كنت طالبا في الخامس العلمي لاعدادية الرسالة المسائية في بغداد- الحيدرخانة..وكعادتي وتعلقي بالمجلات والمطبوعات في احدى الايام كنت القي نظرة على الاصدارات الجديدة للمجلات عند باعة الصحف فشاهدت في نيسان 1976 مجلة شهرية ذات اخراج طباعي جميل..اسمها "مجلة الشباب" تصفحتها فوجدت فيها مواضيع متنوعة وبصفحات ملونة جميلة ومتقنة..في العلوم والفلك و الفضاء والتكنلوجية والبايولوجي والتأريخ والرياضة والفن والادب والتسلية ..وعندما قرأت قليلا من موضوع فلكي منشور فيها وجدت ان الكاتب كان على درجة ممتازة في قدرته على التعبير عن المصطلحات العلمية بدون اخطاء علمية من تلك التي تظهر في مواضيع غير المختصين بالكتابة العلمية في الصحف العراقية والعربية ..اعجبت بها وباخراجها..واشترتها وكتبت رسالة اعجاب لهيئة التحرير وعرضت عليهم ان ارسل لهم بعض المواضيع عن الفلك والفضاء باعتباري هاوي فلك ولدي اشتراكات بمجلات امريكية علمية وفلكية وتقاويم فلكية للاحداث الفلكية على مدار العام ..بعد ايام وصل الى مدرستي شخصين وبيدهم رسالتي وقالوا لقد بحثنا عنك كثيرا حتى توصلنا اليك :
هل انت صالح حبيب؟ قلت نعم ..




تفضل معنا ..الحقيقة انني ارتعبت في البداية معتقدا انهم من الامن العامة صعدت معهم في سيارة بيك اب ..ولكنني كنت متأكدا انني لم اكتب شيئا في رسالتي يستدعي تدخل رجال الامن ..وقد طمأنوني بدورهم بعد أن عرفوني بانفسهم بأنهم صحفيون من مجلة الشباب عندها اطمأننت وادركت الموضوع…فأقتادوني بكل لطف ولياقة الى مقر المجلة في الوزيرية..وكانت هذه بداية رحلتي مع الصحافة."
وللحديث بقية..
نشر الاصل في الحوار المتمدن-العدد: 3337 - 2011 / 4 / 15 - 09:11 
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات



الاثنين، 8 أغسطس 2016

رحلة في ذاكرة بغدادية - الحلقة 2


رحلة في ذاكرة بغدادية - سبعينات القرن العشرين 1970 - 1979
الحلقة - 2
صالح حبيب

نشر الاصل في الحوار المتمدن-العدد: 3337 - 2011 / 4 / 15 - 09:11المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات" قد لا تكون هذه هي وجهة نظر الآخرين ولكنها وجهة نظري الخاصة "ظاهرة عدنان القيسي- مفارقة ممتعة في حياة العراقيين
ظهرت منذ بداية عقد السبعينات ظواهر كثيرة في حياة العراقيين معظمها كان عبارة عن سيناريوهات موضوعة من قبل السلطة الحاكمة آنذاك منها ما اثرت سلبيا و منها ما أثرت ايجابيا و منها ما بقيت آثارها لفترة طويلة و منها ما نسيت و ولت بنفس السرعة التي ظهرت بها منها الأليمة كظاهرة السفاح ابو طبر التي لا تستحق الحديث عنها كثيرا و منها ما شكل للعراقين ذكرى طريفة بحيث انها سجلت في تراثهم و احاديثهم و امثالهم الشعبية مثل ظاهرة عدنان القيسي.من هو عدنان القيسي؟ وكيف أثر في حياة العراقيين؟

عدنان القيسي ذلك المصارع البطل الذي اذهل العراقيين بقوته وبضربته الفنية المشهورة بـ"العِكسية" (الضرب باستخدام كوع اليد) الكبار منهم قبل الصغار والمسؤولين قبل المرؤوسين بتمثيلياته في مباريات المصارعة الحرة غير المقيدة كما كانت تدعى آنذاك و المبنية على أداء الحركات المفتعلة والمتفق عليها مسبقا ونتائجها المحسومة مقدما.
 فقد نجح عدنان القيسي العراقي الاصل-الامريكي من محلة الاعظمية العريقة وعلى مدى حوالي عاما كاملا أو أكثر في تمرير هذا النوع من الرياضة التجارية غير الأولمبية والتي هدفها كان معروفا في أمريكا والعالم وهو جني الأرباح من الناس الذين يريدون تمضية بعض الوقت للتسلية مع علمهم المسبق بطبيعتها وانها مجرد تمثيل ولكن بعنف مدروس.
 ولكن للاسف صدقها العراقيون واتخذوها مجالا للفخر ببطولات ابنهم الضال الذي عاد ليرفع رؤوسهم أمام العرب والعالم. وطبعا لم يصدقهم أو يتفاعل معهم احد من العرب أو العالم لان العالم كله كان يعرف طبيعة هذه المباريات ما عدا العراقيين، ولكن من العراقيين الذين كانوا يدركون حقيقة الأمر ويعرفون بهذه الخدعة هو شيخ المعلقين والشخصية المحبوبة عند كل العراقيين الاستاذ مؤيد البدري عميد الرياضة العراقية الذي حاول أن يشرح للجمهور الحقيقة عبر برنامجه الرياضة في اسبوع ولكن للأسف لم يصغ إليه احد بسبب انجرافهم القوي نحو القيسي وحركاته البهلوانية وتعليقاته التي كان يعرف كيف يستغل بها العواطف العراقية وبسبب أيمانهم بهذه البطولات المزيفة كاد هذا الرجل مؤيد البدري أن يُنبذ من قبل جمهور برنامجه "الرياضة في أسبوع" ويقاطع رغم مكانته الاجتماعية و الإعلامية والرياضية ورغم الحب الذي يكنه له العراقيون ولبرنامجه الرياضي.وهكذا استطاع عدنان القيسي أن يسلب لب الجمهور العراقي و يصبح هو الشغل الشاغل الوحيد لأي عراقي من الشمال إلى الجنوب حتى كان من الصعوبة أن تعثر على شخصين أو اكثر يتحدثون سوية في موضوع إلا وكان ذلك الموضوع هو موضوع مباراة عدنان القيس التي حدثت قبل يوم أو خلال الأسبوع الماضي و تراهم يمجدون بهذا البطل العراقي الذي هاجر من منطقة السفينة بالأعظمية و اغترب في ديترويت -ولاية مشيغن الامريكية، ثم جاء إلى العراق ليعيد أمجاد الأجداد كبطل مغوار و ليتغلب على اعتى أبطال أوربا و أمريكا في المصارعة الحرة التي تعرضها حاليا القنوات الفضائية وتشتهر عروضها اليوم باسم WW أو World wrestling وفيها تجد نفس الأسلوب الذي كان القيسي يبهر به العراقيين و كانوا بالطبع يصدقون ظاهرة بطولاته الفذة و يصلّون له و يتضرعون قبل كل مباراة في المراقد و الجوامع و الصلوات، من اجل أن ينصره الله على خصمه القادم ليرفع رأس العراق عاليا ثم ينحرون الذبائح و يوزعون الشرابت و الجكليت بعد نصره المؤكد على الخصم، كان العراقيون من البساطة بحيث أنهم لم يكونوا يعلمون بان نتائج هذا النوع من المباريات محسومة مقدما و نسب أرباحها محسوبة و الحصص قد تم توزيعها قبل ايام من المباراة.اتذكر في منطقتي آنذاك "منطقة الفضل" كان الناس يرقصون على انغام الموسيقى الشعبية "المزيقة" ويوزعون الحلويات والشربت في كل مكان و كانت صوره ملصوقة على الجدران في كل مكان..هذا الاعجاب العميق بهذا البطل الاكذوبة..حرك الضغينة والحسد في قلب الرجل الثاني في السلطة الذي لا يقل نرجسية عن اي بطل من ابطال المصارعة..مما جعله يحسب لهذه الظاهرة الف حساب لان عدنان القيسي خطف الاضواء من الجميع.فجأة وبعد كل هذا الانبهار ووعوده بتطوير رياضة المصارعة في البلد وفق صيغ عالمية و امريكية، صحى العراقيين في يوم من الأيام ولم يجدوا عدنان القيسي بينهم و لا من يتحدث عن بطولاته . فاما ان البطل قد فر بالغنيمة "گلب بالدخل كما يقول العراقيون" وتركهم يديرون برؤسهم يمنة ويسرة فلا يجدون له اسما أو لقبا يذكر وكأن شيئا لم يحصل واما انه تم تهديده من قبل رجال السلطة تهديدا مرعبا..فنفذ بجلده سريعا.شعب طيب و ساذج و يعيش في عزلة بعيدا عما يحصل في العالم منذ زمن بعيد.للذكرى:"تأثر الشباب العراقي والاطفال العراقيين بشخصية عدنان القيسي جعل معظم الشباب تتجه الى النوادي الاولمبية للتسجيل في فرق المصارعة..وكذلك صار الاطفال يقلدون ضربته العِكسية - كان يينهك الخصم بصفعات قوية على الوجه - او تبدو كذلك- ثم يقفز في الهواء ليضرب مؤخرة رقبة الخصم بعظمة العكس ليده اليمنى ويكرر ذلك عدة مرات حتى ينهار الخصم..سمعنا خلال تلك الفترة ان الكثير من الاطفال الصغار ادخلوا الى المستشفيات بسبب ضربات تلقوها من اخوانهم الاكبر سنا تقليدا لعدنان القيسي"وللحديث بقية

رحلة في ذاكرة بغدادية - الحلقة - 1



رحلة في ذاكرة بغدادية - سبعينات القرن العشرين 1970 - 1979

الحلقة - 1
" قد لا تكون هذه هي وجهة نظر الآخرين ولكنها وجهة نظري الخاصة "


"أعطي نصف عمري على أن أعيش بضعة أيام من السبعينات"
في عقد التسعينات و ما بعدها كثيرا ما كان يدور الحديث بيني و بين أصدقاء من أقراني أو اصغر أو اكبر سنا، عن عقد السبعينات من حياة العراق في القرن العشرين فقد كنت اسمّي هذا العقد من الزمن بالعقد الذهبي من حياة العراق في التاريخ المعاصر ولكثرة تطابق آراء كل من يشترك معي بالنقاش أو من كان يصغي إليه بحيث أن أحد الاصدقاء و رغم انه من مواليد السبعينات إلا أن ذاكرته لم يمسها ذلك العقد و إنما تفتحت في عقد الثمانينات حين كان العراق يخطو أولى خطواته في طريق التدهور و الدمار رغم أن إعلام النظام ذلك الوقت كان يحاول أن يقنع الجميع بأنه زمن النهوض و الارتقاء الحضاري قد بدأ مطلع الثمانينات، كان صديقي دائما يقول لي بالحرف الواحد " أعطي نصف عمري على أن أعيش بضعة أيام من السبعينات".
في عقد السبعينيات وعندما كانت كلمة "حرب" لا تعني لذلك الجيل من العراقيين إلا مجرد موضوع من الماضي الذي يسمعون عنه من آبائهم ويقرأونه فقط في الصحف و نشرات الأخبار و كتب التأريخ.
كانت اهتماماتهم و احاديثهم مختلفة تماما عما نراه و نسمعه في عصرنا الحالي، فقد كانت آخر حرب اشترك فيها العراقيون هي حرب تشرين 1973 و لم يكن لهم فيها حصة كبيرة سواء من حصص النصر أو الربح أو الخسارة مجرد مساهمة تعزيزية للجبهة السورية رغم اننا اعطينا عدد لا بأس به من التضحيات و الشهداء خالدي الذكر.
كان جل اهتمام العراقيين و احاديثهم مركزة على الحب و المودا وآخر تقليعات اوربا و أمريكا وعلى السفر إلى اليونان و لندن وأوربا الشرقية كبلغاريا وبولونيا وهل الذهاب إلى هناك بالطائرة احلى وافضل ام سياقة بالسيارة الخاصة عبر تركيا ؟ وعن أحدث الأفلام الأجنبية الرومانسية و الاجتماعية ( وليس أفلام الآكشن أو الرعب ) و عن الأفلام العربية وآخر الأغاني الجديدة لأم كلثوم وعبد الحليم وفريد الأطرش وتوم جونز و إنكلبرت هنبوردك وتينا تشارلز وديمس روسوس وفرقة آبا و بوني- إم وعائلة بندلي وعن آخر أخبار و فضائح الفنانين في مجلة الموعد اللبنانية الخاصة بأخبار السينما و الفنانين وأخبار شارع الحمرا في بيروت و آخر تقليعاته قبل أن يحترق لبنان بالحرب الطائفية.
بغداد كانت مدينة جميلة نظيفة ومبانيها الكبيرة والتي نراها متداعية اليوم كانت رائعة جديدة وشامخة، و كانت هذه المدينة الالواسعة افقيا و الخلابة والعذبة النسيم قد بدأت توا تتجمل و تنهض و تحاول أن تلحق بركب العواصم الأوربية الأنيقة في الوقت الذي كانت فيه أكثر العواصم العربية والخليجية مجرد مدن بسيطة  قاحلة، فمثلا انتشرت في بغداد كابينات انيقة للهاتف العمومي مصنوعة من الالمنيوم والزجاج في كل الشوارع و كذلك توزعت على اعمدة الشوارع في كل مكان سلات بلاستيكية برتقالية انيقة للمهملات الشخصية في كل مكان و صارت من الأمور المعتادة في بغداد و المحافظات.
و في بغداد السبيعينات ابتدئ بتطبيق قوانين حضارية رائعة مثل قانون العبور من الاماكن المخصصة في كل الشوارع  " خطوط العبور البيضاء" واشارة قف و اعبر الضوئية للسابلة وقانون ربط حزام الامان للسائق و الراكب و انتشرت تجربة المولات الكبيرة و عرفت باسم الاسواق المركزية و لم تكن قد ظهرت في الدول العربية بعد، ولكنها كانت موجودة في بغداد منذ الخمسينيات (حسو اخوان) و (اورزدي باك) في شارع الرشيد وحتى شركات بيع السيارات الامريكية و الالمانية.
ولكن للأسف سرقت الهواتف العمومية و استعملت كابيناتها كأماكن للتغوط و التبول من قبل الرعاع و احرقت سلات المهملات البلاستيكية لأن بعض المتخلفين كان يرمي اعقاب السكائر وهي مشتعلة فيها معتقدا انها نفاضة وتم غزو الاسواق المركزية من قبل فصائل الدلالات و عصابات السوق السوداء. ولكن لم تدم تلك المظاهر الحضارية التي بنيت ونظمت ولم تكافح تلك الممارسات السيئة ولم يتم توعية المواطن بشكل جدي ليتعرف ويتعود على كيفية التعامل مع مفردات الحضارة الحديثة وأصولها حتى أخفقت الكثير من تلك المظاهر الحضارية الجميلة في البقاء والاستمرار مثل نظام المرور والأتصالات والمولات وانظمتها التي ظلت خاوية على عروشها اثناء فترة الحصار وما بعدها.
للذكرى:
"اضافة للتجارب المذكورة التي ظهرت في العراق وبعد ان حققت نجاحا منقطع النظير لم تستمر وفشلت للاسف - فشلت واسقطت بتعاون الشعب مع الدولة ومنها الدولة هي السبب الرئيسي لفشلها - الشركة الافريقية للاجهزة الالكترونية والكهربائية - الشركة العامة للآلات الدقيقة - شركة الصناعات الخفيفة - سوق الثلاثاء والاسواق المركزية - مراكز الرعاية العلمية للهواة - المرصد الفلكي العراقي -  مشروع مترو بغداد - بلانيتريوم بغداد (حرق اثناء السقوط) -هواتف الطواريء على الطرق الخارجية - اعادة اعمار شارع الرشيد - والقائمة طويل"


للحديث ..بقية